الرئيسية اخبار صالح حسب الله يكتب: دعوة لعودة روح الأمل والقدرة على الفعل

صالح حسب الله يكتب: دعوة لعودة روح الأمل والقدرة على الفعل

13
0
صالح حسب الله

بينما كانت طائرات الجيش البريطانى تمارس مهمتها الوطنية فى بسالة للدفاع عن الوطن تقدمت ناظرة مدرسة بشكوى أمام القضاء البريطانى تطلب فيه بعدم السماح للطائرات الحربية البريطانية بالتحليق فوق المدرسة أثناء التدريبات العسكرية !!

وقالت فى دعواها أن صوت الطائرات المزعج يُحدث ضوضاء وازعاج لطلبة المدرسة أثناء اليوم الدراسى ، كما أن ذلك يجعل من تلك المنطقة هدفاً لهجمات العدو ، وطالبت فى دعواها بنقل المطار الحربى من هذه المنطقة إلى منطقة أخرى!!

كان الطلب غريباً فى هذا الوقت بل ربما استخف به البعض فى تلك الظروف العصيبة التى تمر بها البلاد . فى وقت كانت المؤسسة العسكرية تتمتع بكل المييزات والاستثناءات القصوى.

وجاء الحكم فى الدعوى القضائية أشد غرابة ، فقد قضت المحكمة البريطانية بنقل المطار الحربى إلى منطقة أخرى بعيدة عن العمران!!

حاولت المؤسسة العسكرية إيقاف تنفيذ حكم القضاء بشتى الوسائل فلم تفلح مما اضطرها فى نهاية الأمر إلى التوسط لرئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل لإيقاف هذا الحكم بما لديه من سلطات واسعة ، وذلك بدعوى أن نقل المطار سوف يؤدى إلى ضعف قدرات الدفاع الجوى أمام العدو النازى مما قد يؤدى إلى عواقب وخيمة إلا أن السيد تشرشل قال كلمته المشهورة : ( لأن تخسر بريطانيا الحرب خيرٌ عندى من أن يقال أن بريطانيا لم تنفذ حكم القضاء!!)

استوقفنى المشهد مقارنة بعالمنا العربى والإسلامى:

  1. لم تتردد تلك المرأة فى التقدم بدعوى ضد أكبر سلطة فى البلاد فى ذلك الوقت العصيب – الحرب العالمية الثانية – وعزمت أن تأخذ إجراءات فعلية لتغيير واقع ترفضه ، إنها ثقافة مجتمعية تجعل من الفرد فاعلاً وليس مفعولاً به، صانعاً للتغيير غير منتظر حدوثه بمعجزة من هنا أو هناك.
  2. اعتقاد المرأة أن السلطة القضائية فى بلادها سلطة مستقله حقاً عن كافة السلطات التشريعية والتنفيذية ، أوجد إيمانا داخلياً بإمكانية تنفيذ الحكم القضائي ، وإصراراً على المطالبة به.
  3. لم يتأثر القضاء البريطانى فى هذا الوقت بحالة الحرب التى تمر بها البلاد ، لم يضع فى اعتباره أن هناك من سيتهمه بأن القضاء لا يراعى المصلحه العليا للبلاد ، لكنه وضع المعايير القانونية مع تلك المصلحة المشروعة بألا يكون هؤلاء الاطفال الأبرياء هدفاً لضربات العدو.
  4. رغم أن المؤسسة العسكرية كان لها فى ذلك الوقت سلطة التقدم على كافة مؤسسات الدولة خاصة فى تلك الظروف الاستثنائية على أقل تقدير، إلا أنها لم تستطع أن توقف تنفيذ هذا القرار رغم ما قدمته من أدلة وبراهين وتبريرات مقنعة ولا دخل فيها لأى مصلحة شخصية.
    كانت القوانين والمعايير هى التى تحكم المجتمع وليست الأوزان النسبية التي يبررها الأفراد والمؤسسات.
  5. جاءت كلمة رئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل ( لأن تخسر بريطانيا الحرب خير عندى من أن يقال أن بريطانيا لم تنفذ حكم القضاء) تتويجاً لهذه الملحمة القضائية والصورة المشرقة لاحترام القوانين والاحكام القضائية بل الأهم احترام المعايير التى يسير عليها المجتمع وعدم اهتزاز صورة تلك المعايير فى نفوس الشعب والأمة.

فالمجتمع الذى يتحاكم فيه الجميع بمعايير واضحة تنفذ على الكبير قبل الصغير وعلى الغنى قبل الفقير وعلى صاحب الجاه والسلطان قبل الفقراء مالاً والمغمورون جاهً هو فقط مجتمع النهضة.

وقد علمنا ذلك النبى صلى الله عليه وسلم حين جاءه أسامة بن زيد حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع للمرآه المخزوميه التى سرقت فى تطبيق الحد عليها.
فقد ( غضب النبى صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال اتشفع فى حد من حدود الله يا أسامة والله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)

إنها دعوة لتبني تلك الثقافة المجتمعية الإيجابية ونشرها وتغلغلها فى مساحات الفكر والعقل وبعث روح الأمل والقدرة على الفعل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا