الرئيسية اخبار رجائي عطية يكتب: لماذا تجب الحصانة للمحامين؟!

رجائي عطية يكتب: لماذا تجب الحصانة للمحامين؟!

69
0
رجائي عطية – رجائى عطيه – نقيب المحامين

واجبٌ، ولا شك، على نقابة المحامين أن ترعى تقاليد المحاماة، وأن تحث على المحافظة عليها، وأن تحاسب على الخروج عنها، لأن ذلك هو الذى يحفظ للمحاماة احترامها الواجب فى عين نفسها، وفى عيون الناس والسلطات. يقابل هذا الواجب واجب على المجتمع وجميع آلياته وأجهزته وسلطاته فى احترام المحاماة والمحامين الذين زادت حوادث التجاوز معهم والتعرض لهم هذه الأيام. توفير الحصانة للمحامين ليس محاباة ولا مجاملة، وإنما هو تحصين للعدالة ذاتها ولحقوق الناس التى ينهض المحامون للدفاع عنها حين تتعرض للعدوان أو الإهدار.

من سنوات كتبتُ لـ«الأهرام» عن الحصانة الواجبة للمحامى لقاء ما يتعرض له من مخاطر، وضمّنته فيما بعد كتاب «رسالة المحاماة»، أن الحقيقة قد لا تصل إلى القاضى سهلة ميسورة، بل قد لا تصل إليه على الإطلاق، وقد يقيّض لها من طلاب الزيف والبهتان من يحجبونها حجباً كثيفاً، وأن يطمسوا عليها ويطمسوا أدلتها، وقد يصطنعون أدلة كاذبة للإيحاء بغير الحقيقة، بينما القاضى على منصته العالية مع تقيُّده بحدود الخصومة غير متاح له أن يطلع على ما جرى ويجرى وراء أستار الخفاء!

حُجُب الخفاء لطمس الحقيقة وإدخال الزيف عليها تصاحب الخصومة، ربما من منبتها، فيحتال رجل الضبط لإهدار الشرعية الإجرائية، والافتئات بغير سند مشروع على حريات ومستودعات أسرار الناس، وكثيراً ما يلازم ذلك قبض وتفتيش باطلان، أو انتزاع اعتراف بالقسر والضغط والتعذيب والإرغام، وهى وسائل من المحال معها أن تطمئن عدالة عادل إلى صدق الاعتراف ومطابقته للواقع، سيما وهو كريه إلى النفس، لا تُقبل عليه، إن أقبلت، إلاّ مضطرة، وتغدو صعوبة إثبات الإكراه للحمل على الاعتراف فى أنه قد يقف عند حد الإكراه المعنوى ولا يتعداه إلى إكراه مادى يمكن أن يترك علامات، وقد تعددت فنون الإكراه المادى وابتُدعت فيه أساليب شيطانية لا تترك أثراً يدل عليها، فتغدو مهمة القاضى فى جميع هذه الأحوال مهمة بالغة العسر بل والاستحالة، لأن التعذيب، فضلاً عن فنونه المستحدثة، يجرى على «أرض» أو «ملعب» فاعليه، محدود بحدود يتحكمون فيها مكاناً وزماناً وشهوداً، حتى ليكاد القاضى يحسه ويلمسه ولكنه لا يمسك دليلاً عليه!!.. هنالك تبدو وتتجلى إبداعات المحاماة التى تستطيع أن تهدى إلى الحقيقة بجمع الأدلة من مظانّها، واستخراج الدلالات والقرائن، واستنباط المجهول من واقع معلوم يدل عليه.. على أن هذه المهمة التى يجاهد المحامى مجاهدة صعبة فيها، محفوفة بأخطار الوقوع فيما قد يمسكه عليه رجل الضبط الذى من مصلحته أن يتصيّد زلة لسان أو جموح عبارة أو سخونة وصف ليدمغه بالسب والقذف أو البلاغ الكاذب!! ومن ثمّ يعرض المحامى الباذل فى إخلاص لمغبّة المساءلة الجنائية عما عساه يمسكه عليه فى سعيه الدءوب لكشف الحقيقة للقاضى!!

وليس حال شهود الدعوى بأيسر أو أهون مكابدة فى المعالجة من إجراءات الضبط، فليس كل الشهود على شاكلة واحدة، أو من معدن واحد. . منهم الصادق والكاذب، ومنهم المستقيم والملتوى، ومنهم المتجرد والمغرض، ومنهم المحايد والمنحاز، ومنهم الأمين والخائن، ومنهم البرىء والخبيث، وهم على أشكال شتى، وأغراض شتى، ومعادن شتى.. بل إن أكثر الناس للحق والإنصاف كارهون، وبذلك وصفهم القرآن المجيد فقال: «وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ».. «وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ».. ومنهم كثمود مَن يستحبون العمى على الهدى، ومنهم من يجادل فى الباطل ولا يستحى من الحق، كالذين وصفهم القرآن الحكيم فقال: «يُجَادِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ».. ومنهم من لا يريد إلاّ خداعاً.. ومنهم من يجترئون على الكذب والزور، ولا يقولون إلاّ منكراً من القول وزوراً.. فماذا يفعل القاضى إزاء هذه النوعيات بينما أوصاه القرآن ألاّ يقبل إلاّ شهادة ذوى العدل والصدق والاستقامة والأمانة، فقـال عز من قائل: «وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ».. على أن حرص القاضى على الاستشهاد بذوى العدل تقابله ظلال كثيفة على المحامى أن يجليها، وجلاؤها يمضّ ويُوجع مَن يكشف الدفاع ستر كذبه أو خداعه أو ميله أو هواه أو بهتانه أو تزييفه أو تزويره أو انحيازه أو حنثه بيمينه، وإزاحة الستار عن هذا وذاك محفوفة هى الأخرى بالمخاطر، يغدو أمامها المحامى كالقافز فوق الأشواك، سواء فيما يجب أن يستقصيه ويحصّله ويفسره ويكيّفه، أم فيما يلقيه أمام النيابة أو القضاء من قول وحجة وبرهان لإثبات ما يُمسكه على رجل الضبط أو الشاهد ويعرّيه به.. وهذا بدوره باب ملىء بالمخاطر والألغام، فلن يرضى الشاهد أن ينعته المحامى بما كشفه من ستره، ويفضح أمره ويعرى كذبه وزوره والتواءه، وما أيسر أن ينازل المحامى بأنه وقع فى وهدة السب أو القذف أو البلاغ الكاذب، فيغدو سيف الخطر مشهراً عليه فى جميع أحواله!

بل إن خطاب المحامى للنيابة أو للمحكمة لا يخلو من مخاطر زلل اللفظ أو تجاوز العبارة التى ربما عرّضته للمسئولية لأنه وهو يسعى للإقناع بما اقتنع به ووقر فى خلده، لا يتحدث حديث المحاضر الهادئ، وإنما يتكلم بحماس وتأثر وانفعال المدافع المندمج فى قضيته المتفاعل معهـا الشاعر بأوجاع موكله وبالمخاطر التى يمكن أن تحدق به، والحانق أيضاً على تراكمات الزيف والزور والحجب والطمس والالتواء التى يسلكها أعداء الحـق الرامون لتزييف الحقيقة والافتئات على الأبرياء، هذه المهمة الدقيقـة لا يؤديها المحامى ساكن النفس هادئ الخاطر، وإنما هى شحنة من المشاعر تموج فى صفحة وجدانه وتصاحبه فيما يقول ويومئ.. وليس يدرك هذه المكابدة إلاّ من يعانيها، وهى مكابدة تفتح على المحامى أبواباً من المحاذير والأخطار، كم أوذى بها ومنها محامون، وكم انتهت الحيوات المهنية لمحامين، وكم دخل بسببها محامون فى أقضيات انتقلوا فيها من موقع المحاماة إلى موقف الاتهام، فبذلوا من مصالحهم ومهنتهم وحاضرهم ومستقبلهم ما ترويه مجلدات حكت سير المحامين العظام، لعلّ من أكثرها دلالة سيرة المحامى الفذ مارشال هول، وأسلاف عظام تحمل سيرهم مدونات سير المحامين المصريين. خاض الأسلاف العظام معارك ضارية استرخصوا فيها مصالحهم وحرياتهم وحيواتهم قبل أن تلتفت المدونات التشريعية لإقامة سياج من الضمانات لحماية المحامى وحق الدفاع، هذا السياج هو فى حقيقته حماية للعدالة قبل أن يكون حماية لشخص المحامى، لأن المحامى المرتجف لن يقدر على حمل هموم البشر، ناهيك بالمناضلة الصادقة من أجلها وهذه هى رسالة المحاماة!

ظنى أن هذا الملف يجب أن يُفتح حالة كون النص الحديث المقرر لها قد اشترط لإعماله ألاّ تكون «الواقعة» فى حالة تلبُّس، وهو شرط يأخذ باليسار ما يعطيه باليمين، حالة كون كل ما قد يُنْسب للمحامى صدقاً أو ادعاء إنما يقع إما فى مرافعة أو حضور بمحكمة، أو أمام سلطات التحقيق وسلطات الاستدلال، والسلطات الإدارية فى السجون وغيرها، وسهل على من يريد النكاية بمحامٍ أن يدّعى عليه ما يشاء بقالة أنه حدث فى حالة تلبُّس، فتهدر كل الضمانات التى قررها ذات النص للمحامى.

ليس فى صالح العدالة ذاتها، ولا فى صالح أحد، وبداهة ليس فى صالح المحاماة كرسالة، أن يكون المحامى «أعزل» لا حماية ولا حصانة ولا ضمانة له.

أعرف أنه سيقال: وماذا لو أخطأ المحامى، والخطأ وارد على كل بشر، لن أجيب بأن الخطأ وارد أيضاً على المتمتعين بالحصانة البرلمانية أو القضائية، فلا أريد الدخول فى مقارنات، وإنما حسبى أن أبدى أن «حماية» المحامى بحصانة أو على قوية لا تعنى إعفاءه من المسئولية إذا أخطأ، وإنما تجرى المساءلة فى إطار إجراءات مقررة تضمن للعدالة الوصول إلى غايتها، وتحمى المحاماة والمحامين من أن يكونوا نهباً لما يعرقل أداء هذه الرسالة السامية التى فى صالح الجميع.. لو يعرفون!

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا